أبي الفرج الأصفهاني

241

الأغاني

فقال : كنت معه لمّا خرج إلى الشأم ، فدخلنا دمشق فطفنا بها ، وجعل يطوف على قصور بني أميّة ويتّبّع [ 1 ] آثارهم ، فدخل صحنا من صحونه ، فإذا هو مفروش بالرّخام الأخضر كلَّه وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصبّ إليها ، وفي البركة سمك ، وبين يديها بستان على أربع [ 2 ] زواياه أربع سروات [ 3 ] كأنّها قصّت بمقراض من التفافها أحسن ما رأيت من السّرو [ 4 ] قطَّ قدّا وقدرا . فاستحسن ذلك ، وعزم على الصّبوح ، وقال : هاتوا لي الساعة طعاما خفيفا ، فأتي ببزماورد [ 5 ] فأكل ، ودعا بشراب ، وأقبل عليّ وقال : غنّي ونشّطني ، فكأنّ اللَّه عزّ وجلّ أنساني الغناء كلَّه إلا هذا الصوت : لو كان حولي بنو أميّة لم تنطق رجال أراهم نطقوا فنظر إليّ مغضبا وقال : عليك وعلى بني أميّة لعنة اللَّه ! ويلك ! أقلت لك سؤني أو سرّني ! ألم يكن لك وقت تذكر فيه بين أميّة إلَّا هذا الوقت تعرّض بي ! . فتحيّلت عليه وعلمت أني / قد أخطأت [ 6 ] ، فقلت : أتلومني على أن أذكر بني أميّة ! هذا مولاكم زرياب [ 7 ] عندهم يركب في مائتي غلام مملوك له ، ويملك ثلاثمائة ألف / دينار وهبوها له سوى الخيل والضّياع والرّقيق ، وأنا عندكم أموت جوعا . فقال أو لم يكن لك شيء تذكَّرني به نفسك غير هذا ! فقلت : هكذا حضرني حين ذكرتهم فقال : اعدل عن هذا وتنبّه على إرادتي . فأنساني اللَّه كلّ شي أحسنه إلَّا هذا الصوت : الحين ساق إلى دمشق ولم أكن أرضى دمشق لأهلنا بلدا فرماني بالقدح فأخطأني فانكسر القدح ، وقال : قم عنّي إلى لعنة اللَّه وحرّ سقر ، وقام فركب . فكانت واللَّه تلك الحال آخر عهدي به ، حتى مرض ومات [ 8 ] . قال : ثم قال لي : يا أبا جعفر كم تراني أحسن ! أغنّي ثلاثة آلاف صوت ، أربعة آلاف صوت ، خمسة آلاف صوت ، أنا واللَّه أغنّي أكثر من ذلك ، ذهب علم اللَّه كلَّه حتى كأنّي لم أعرف غير ما غنّيت . ولقد ظننت أنه لو كانت لي ألف روح ما نجت منه واحدة منها ، ولكنه كان رجلا حليما ، وكان في العمر بقيّة . نسبة هذين الصوتين المذكورين في الخبر صوت لو كان حولي بنو أميّة لم تنطق رجال أراهم نطقوا

--> [ 1 ] أصله يتتبع ( بتاءين ) ، فأدغمت التاء في التاء . [ 2 ] في « الأصول » : أربعة زواياه « . والتصويب من » مختصر الأغاني « . [ 3 ] السروة : واحدة السرو ، وهو ضرب من الشجر حسن الهيئة قويم الساق . [ 4 ] في « ج ، ب ، س » : « من السروات » . [ 5 ] في « أكثر الأصول » : « فأتى به بين ماء وورد » . وفي « ج » : « فأتى بين ما ورد » . والتصويب من « مختصر الأغاني » و « الأغاني » فيما تقدّم ( جزء 4 صفحة 353 من هذه الطبعة ) . والبزماورد : طعام يتخذ من اللحم المقلي بالزبد والبيض . وفي شفاء الغليل : « زماورد معرّب ، والعامة تقول بزماورد ، وليس بغلط ، لأنه [ كلمة ] فارسية ، كما هو مسطور في لغاتهم ، وهو الرقاق الملفوف باللحم . . . » . [ 6 ] في « ب ، س » : « غلطت » . [ 7 ] يريد أن زريابا وهو علي بن نافع المغني مولى بني العباس ذهب إلى الأندلس فأكرمه الأمويون هناك . راجع الحاشية الأولى من صفحة 354 جزء 4 من طبعة دار الكتب . [ 8 ] الذي في الجزء الرابع أنه غضب عليه عشرين يوما ، فكلمه فيه عباس أخو بحر ، فرضي عنه ووصله بعشرين ألف درهم .